تنمية قدرات الطفل

كيف أساعد أطفالي بعد طلاقي من والدهم؟

شباط 14 , 2018

أتتني صديقتي تقول لي: “لا تسأليني عن التفاصيل، فلستُ الآن في صدد للإصلاح أو للبحث في الأسباب، غير أنني اتفقت أنا وزوجي على الطلاق، وأريدُ أن أعلم كيف أتعامل مع هذا الموضوع كي لا يؤثر على أبنائي سلباً.” ليست وحدها في هذه الدوامة، فكثيراتٌ غيرها مررن بتجربة الطلاق وبحاجة إلى معرفة الأسس الصحية للتعامل مع هذا الأمر، سواء ارغبتهن في التكيّف مع هذه المرحلة الإنتقالية أو ليساعدن أبنائهنّ على تقبّلها والتكيّف معها.

  • إلّا أنَّ الطلاق على صعوبته يُصبح ضرورة أساسية في بعض الأحيان مهما حاول المصلحون وعارض المعارضون، بل إنَّ الكثير من الأزواج، والزوجات، والأبناء يصبحون أفضل وأسعد بكثير بعد الإنفصال. وحدوثه لا يعني بالضرورة أنَّ أيُّهما سيئ والآخر جيد، بل يعني ببساطة أنَّهما لا يستطيعان العيش معاً. ومن الضروري أن يُدرك الأبناء ذلك.
  • من الأمور المحزنة أيضاً فيما يتعلق بموضوع الأبناء أنَّهم يجدون أنفسهم في موقف صعب في بعض الأحيان، و”مضطرين” لاختيار جانب الأم أو جانب الأب. لذا، من المهم إخبارهم أنَّ انفصال الوالدين لا يعني بالضرورة “انفصال” الأبناء من أحدهما! فسيبقى الأبناء هم أبنائنا، وسيبقى الأب والدهم والأم والدتهم، ولا داعي لإلقاء اللوم على أحدهما إرضاءً للآخر.
  • هنالك أمر مهم آخر يتمثل في التحدث عن المشاعر؛ فغالباً ما يتم “قمع” مشاعر الحزن أو الألم في محاولةٍ لإبقاء الجو جيداً في المنزل، بل وربما يتم التحدث عن إيجابيات الطلاق وكيف أنَّ ذلك أفضل. إلا أنَّه من الضروري أن تُبقي ببالكِ كأُم أنَّ الطلاق يبقى صعباً على الأبناء، خصوصاً الأصغر سناً والذين يحبون كلا الوالدين. لذا، من الضروري أن تتقبلي مشاعر الأطفال من حُزن وألم وغضب وقلق؛ فعالَمهم الذي كانوا يعرفونه قد تغير بأكمله. من المهم أيضاً أن تحاولي أن تشاركيهم بعض مشاعركِ بطريقة مُبسطة؛ فتخبرينهم مثلاً أنَّكِ قلقة أيضاً لكنكم ستجدون طريقة للتعامل مع الأمور، وأنَّ الأمر يُحزنكِ أيضاً وأنكِ تبكين أحياناً، إلا أنَّه الخيار الأنسب في الوقت الحالي من أجلكِ ومن أجلهم ومن أجل والدهم.
  • نذكرُ هنا أيضاً أنَّ ردة فعل الأولاد والبنات يكون مختلفاً تجاه الطلاق: فالأولاد يعبِّرون عن مشاعرهِم سلوكياً، كالشجار مع  الأقران أو ثورات الغضب، أمَّا البنات فقد يبدو وكأنَّهن بخير في البداية، إلا أنَّهُنّ يتأثرن لاحقاً خصوصاً حين يأتي الأمر إلى تشكيل العلاقات أو الارتباط؛ إذ تغمرهنّ مشاعر الشكّ، وعدم الثقة بالذات، والخوف من التعرض للهجران.

من الضروري ملاحظة أي تغييرات في السلوكيات لدى الأبناء، وأن يعمل كِلا الوالدان -حتى بعد الطلاق- على طمأَنة الأبناء بأنَّهُما ملتزمان برعايتهما، وأن يقومان بذلك حقاً والاستماع باهتمام إلى مخاوفهم ومساعدتهم على التغلب عليها، وربما تشجيع الأبناء على طلب الدعم من المرشد في المدرسة إن كانوا ما يزالون على مقاعد الدراسة، أو سؤالهم إن كانوا يريدون استشارة مرشد نفسي أو أخصائي نفسي.

  • من المشاعر التي تهتز أيضاً في هذا الوقت مشاعر الثقة؛ إذ تتغير نظرة الأبناء إلى أنفسهم وإلى من حولهم نتيجة هذا الحدث، خصوصاً لو كنتِ تجدين نفسكِ دون وعي تقولين عبارات مثل: “كل الرجال سيئون” أو “الزواج مليء بالمشاكل”، أو “الحمد لله أن هذه العلاقة انتهت”. انتبهي لعباراتكِ أمام أبنائك؛ فأنتِ تزرعين فيهم بذرةً ستنمو معهم في المستقبل من حيث الثقة بالآخر وتشكيل العلاقات، فلا تنثري عباراتٍ تحطم ذاتهم وعلاقاتهم المستقبلية؛ فتكونين منذ الآن سبباً في كسر ثقتهم بأزواجهم في المستقبل وتدمير زواجهم.
  • توقعي أن تزداد أسئلة الأبناء حين يكبرون عن علاقتكما، إذ سيرغبون في معرفة المزيد من المعلومات لكي يفهموا الأسباب التي أدت إلى الطلاق. عليكِ الإجابة عن تلك الأسئلة بما يتوافق مع عمر الطفل ووعيه، ولتساعديهم على تفهّم الأمر وتنظيمه في عقولهم بطريقة جيدة. إن صدقكِ مع أبنائك في هذه الناحية واحترامك لمشاعرهم ولوالدهم المنفصل عنكِ ستؤثر كثيراً في الطريقة التي يراكِ -ويراهُ- بها الأبناء، ومقدار ثقتهم بكما. لذا، من المهم أن تفهمي أبناءك وتكسبي ثقتهم بالتعامل الحكيم في الطلاق.

في ختام هذا المقال، من المهم أنّ نُنَّوه إلى مسألة مهمة؛ وهي أنَّ الأمر يزداد صعوبةً على الأبناء حين يرون أحد الوالدين سعيداً والآخر تعيساً مع مرور الزمن بعد الطلاق، مما يسبب لديهم بعض التشويش والارتباك، بل وبشعورهم بانعدام العدل في الحياة في حال لم يكن طلاق الوالدين صحياً واستمر خلافهما وحاول أحدهما أو كلاهما التلاعُب بالأبناء ومشاعرهم. وتتضاعف مشاعر التخبُّط هذه عندَ زواج أحد الوالدين أو كليهما، فيشعر الأبناء وكأنَّهما دُخلاء على إحدى أو كِلتا الأسرتين الجديدتين. لذا نؤكد مرة ثانية على ضرورة تقبُّل كل هذه المشاعر والاستماع إلى الأبناء؛ حتى لو قاموا بتكرار نفس الأسئلة عدَّة مرات، أو لم يقتنعوا بإجاباتكِ.

سيستغرق الأمر وقتاً، وقد يحتاج إلى مساعدة متخصصة ليكون صحياً. لذا، لا تشعري بالذنب لو وجدتِ طريقاً جديداً وأملاً في زواج جديد؛ فحتى لو شعرتِ بالخوف على مشاعر الأبناء قليلاً في الوقت الحالي، فلا تضاعفي إحساس الأبناء بالذنب مستقبلاً إن شعروا بأنَّهم كانوا عقبة أمام حقك في حياةً زوجية جديدة سوية وسعيدة. مرةً أخرى: ستبقين أمهم وسيبقى الأب أباهم في كل الأحوال، وستبقون ملتزمَين بهم مهما تغيرت الأحوال.

أتمنى أن تفيد هذه النصائح كلَّ قارئة تمر الآن بتجربة الطلاق أو حتى لو لم تكن مطلقة، فمن المؤكد أن إحدى صديقاتكِ كذلِك؛ فالطلاق لم يعد نادراً ووصمة كما كان سابقاً، بل أصبح واقعاً متفاقماً يزداد كل دقيقة، ومن الضروري التعامل معه ومع آثاره على الأبناء بطريقة صحيحة وسليمة.

حنان زين الدين
أتمت حنان الماجستير في علم النفس من الجامعة الأردنية عام 2005، حيث كان موضوع رسالتها التي أعدتها لنيل الماجستير يتناول التعلق لدى المراهقين وعلاقته بتقدير الضغوط النفيسة وتدبرها....المزيد