تنمية قدرات الطفل

بدائل العقاب في التعامل مع السلوك غير المرغوب فيه

حزيران 08 , 2018

كثيراً ما نواجه في تنشئتنا لأبنائنا بعض المواقف الصعبة التي نحتار في التصرف فيها، وتلجأ كثير من الأمهات إلى العقاب للتعامل مع السلوكيات الصعبة أو "العنيدة" أو التي تجد أن "لا فائدة من الحوار فيها". وتتعدد أنواع العقاب التي يمكن أن تلجأ إليها الأمهات؛ كالضرب أو الصفع، أو الشتائم والاتهام بالغباء أو البلادة، أو التقريع والتوبيخ واللوم الزائد، أو السخرية من قلة الفهم، أو المقارنة بالآخرين ممن يبدو سلوكهم مرغوباً. المشكلة هذه الأساليب، حتى لو أدت إلى تغيير مؤقت، أنها عادةً ما تصبح عديمة الفائدة مع كثرة استخدامها، كما أنها قد تدفع الطفل إلى القيام بالسلوك المنهي عنه بعيداً عن عينيكِ تجنباً للعقاب، وليس اقتناعاً بخطأ ما فعله، وفوق هذا كله فإن هذه الأساليب تعد من الإساءات الجسمية والنفسية والانفعالية التي يمكن أن تحدث ضرراً بالغاً لدى الطفل وفي تقديره لنفسه، وقد يفكر أنه "لا فائدة من المحاولة فأنا سيئ في كل الأحوال". ولكِ أن تتخيلي كيف أن ذلك كله سيبعده عنكِ أكثر فأكثر، ويزيد من المسافة بينكما، ويجعله يبحث عن القبول من الخارج من أشخاص آخرين.

حسناً. ماذا لو تحدانا الأطفال أو تصرفوا بسلوك غير مقبول. ماذا نفعل؟ لنلقِ نظرة على بعض بدائل العقاب. من المهم أن نتذكر هنا أن ما ينفع مع طفل قد لا ينفع مع الآخر، وما يفيد في موقف قد لا يفيد في آخر، لذا عليك المحاولة باستمرار إلى أن تجدي الأنسب لطفلك.

  1. ضعي نفسك مكان طفلك: قبل أن ننطق بأي كلمة أو نتصرف مع الطفل بأي شكل، من الضروري أن نضع نفسنا مكان الطفل ونفكر في أمرين:
    • أولاً: كيف يشعر الطفل الآن؟ هل هو متضايق؟ حزين؟ يشعر بالذنب لما حدث؟ غاضب؟
    • ثانياً: علينا أن نفكر في الأثر الذي ستصنعه كلماتنا أو تصرفاتنا إذا بدأنا بالتوبيخ أو الصياح، وأن نحاول إعادة صياغة ذلك بحيث يتماشى مع مشاعر الطفل، فنقول مثلاً: "يبدو أنك غاضب"، "أرى أنك محبط".
  2. أخبري الطفل بالبدائل التي يمكنه استخدامها بدل السلوك السيئ: إذا كان الطفل يلجأ إلى الصراخ أو الضرب أو الشتائم، من المهم أن نبدأ ببيان تفهمنا له أولاً، ثم نعطيه بدائل لذلك. فإذا لجأت ابنتك الصغيرة إلى البكاء طلباً لشراء لعبة، يمكنك أن تقولي: "أرى أنها تعجبك جداً وأنكِ محبطة لأننا لا نستطيع شراءها لكِ. يمكنك أن تخبريني بكل ما تريدين من ألعاب وأن نضعها على قائمة أمنياتكِ لعيد ميلادك، ثم تختارين من بينها واحدة لنشتريها لكِ." وإذا لجأ طفلك إلى الشتائم في التعبير عن غضبه، يمكنك أن تقولي عبارة مثل: "أرى أنك غاضب جداً ومتضايق. يمكنك التعبير عن ذلك بالكلمات من دون شتائم." من الضروري أن أنوه إلى أمرين هنا: من المهم أن يلتزم الأهل بما يطلبونه من أبنائهم؛ فإذا طلبتِ من طفلك ألا يشتم ينبغي ألا يكون هنالك شخص يشتم باستمرار في المنزل ويرى أن ذلك سلوك "عادي".
  3. الإشارة إلى السلوك المحمود ومدحه: اغتنمي فرصة ظهور السلوك الجيد لإبداء الاستحسان، ولكن من دون مبالغة في المديح بحيث يبالغ الطفل في انتظار التوقعات، أو لا يصدق كلامكِ إذا كنت تمدحينه بشكل زائد لسلوك واحد جيد رغم كثرة سلوكياته التي يعرف أنها تزعجك! فمثلاً، إذا ساعدكِ الطفل في ترتيب المنزل، يمكنك أن تقولي: "لقد لاحظتَ أنني أحتاج إلى بعض المساعدة وأتيت لترتب السرير من دون أن أطلب منك ذلك. هذا لطيف جداً منك". وإذا أخبركِ بأمرٍ خاطئ قام به، فمن الضروري أن تلاحظي مقدار الجهد الذي بذله للاعتراف بذنبه: "لقد أدركتَ أنك أخطأت عندما ضربت صديقك لسبب بسيط وأتيت لتخبرني رغم أنك تخشى أن أغضب. هذه شجاعة منك." لاحظي أننا وصفنا الأحداث مع تقديم صفة إيجابية تصفها. هذا سيشجع الطفل على التصرف بشكل حسن بالمبادرة بدل توقع العقاب عندما يقصر أو يخطئ.
  4. مساعدة الطفل على التعامل مع تبعات سلوكه: لا يكفي إدراك وجود الخطأ. هنالك مواقف ستحتاج إلى الاعتذار الصادق وجهاً لوجه أو كتابةً، ومواقف ستحتاج إلى إعادة المفقودات، ومواقف أخرى إلى إصلاح ما كسر، ورابعة إلى التفكير فيها والعمل على حل المشكلات. كل هذا يحتاج إلى تهيئة الطفل للتعامل معه وتحمل مسؤوليته بدل أن يتوقع من الآخرين أن يبالغوا في اللوم أو في الحماية الزائدة رغم خطئه. للأسف فإن كثيراً من الكبار بحاجة إلى تعلم هذه المهارات أنفسهم قبل أن يعلموها إلى أطفالهم، وهذا ليس انتقاصاً بقدر ما هو زيادة في الوعي وتحمل لمسؤولية السلوكيات. من الضروري أيضاً أن نكون قدوة لأطفالنا في هذا، سواء بيننا كبالغين، أو معهم حين نخطئ في حقهم بدورنا أيضاً، ومن المؤكد أننا نفعل حتى لو من دون قصد!
  5. راجعي توقعاتكِ: حين تطلبين من طفلك أمراً ويتلكك فيه أو لا يقوم به، فمن الضروري أن تراجعي طريقة تعاملك معه. قد يحتاج الطفل إلى المشاركة، أو إلى اختيار وقت مناسب، أو إلى مجرد تذكيره بلطف من دون مبالغة في اللوم أو التوبيخ عندما يتأخر أو ينسى القيام بما طلبته منه.
  6. خذي وقتاً للتفكير: إذا كانت المشكلة كبيرة ووجدتِ أنكِ ستفقدين أعصابكِ، أخبري طفلك أنك تحتاجين إلى التفكير فيما يحدث، وخذي وقتاً لتجلسي فيه مع نفسك وتهدئي وتفكري جيداً، واسألي نفسكِ: ما الذي أشعر به الآن؟ هل خطأ طفلي مقصود أم لا؟ لو كنت مكان طفلي، فلماذا فعلت ذلك؟ ما الذي يمكنني أن أفعله الآن لأسهل الأمر عليَّ وعليه؟ كيف أتعامل مع طفلي بحيث أنمي شخصيته ويتعلم من هذا الموقف بدل أن يشعر بمشاعر سلبية تضر به؟ إذا فكرت بسلوكي مع طفلي بعد أشهر، هل سأشعر بالفخر لما فعلته أم بالضيق؟

أتمنى أن تساعدكِ هذه الطرق في التعامل مع المشكلات السلوكية بشكل أفضل. ومن المهم البحث دائماً عن أفضل الطرق في مختلف المواقف، لذا لا تتوقفي أبداً عن البحث والقراءة فيما يخص المشكلات التي تواجهينها في تنشئة أبنائك بحثاً عن ما يفيدكِ ويفيدهم.

حنان زين الدين
أتمت حنان الماجستير في علم النفس من الجامعة الأردنية عام 2005، حيث كان موضوع رسالتها التي أعدتها لنيل الماجستير يتناول التعلق لدى المراهقين وعلاقته بتقدير الضغوط النفيسة وتدبرها....المزيد