تنمية قدرات الطفل

التعليم المنزلي لطفلك... ما هو وكيف يكون؟

نيسان 26 , 2018

حين نسير في الطرقات ويرى أحد ابنتنا ويسألنا إن دخلت الروضة بعد، أو حين يسألنا أحد في جلسة اجتماعية عن موعد التحاقها بالمدرسة، فإن إجابتنا تكون: "في الواقع، إننا نقوم بالتعليم المنزلي." وهذه الإجابة تستثير عادةً رد فعلٍ من ثلاثة: الاستنكار، أو الفضول، أو عدم الفهم! وفي أحوال نادرة يكون الشخص ملماً بالفكرة أو سمع عنها، وربما يساعدنا بتعريفنا على أشخاص يقومون بالتعليم المنزلي ويمكننا التواصل معهم. وهنالك سؤالان مهمان يُطرحان بشكل مستمر ما هو التعليم المنزلي وكيف يمكن القيام به؟ ولماذا اخترنا التعليم المنزلي؟

وقد قررت الكتابة عن هذا الموضوع في مقالين منفصلين إجابةً عن كل سؤال منهما. فمن الممكن أن يسلط هذا المقال بعض الضوء على مفهوم التعليم المنزلي لمن لا يعرفونه، كما يمكن أن يكون بادرةً لمن يفكر فيه للإلمام بجوانبه المختلفة في أثناء بحثه عن الموضوع. حتى رغم كونه غير مطروق بشكل كبير في الدول العربية، بل وغير قانوني في بعضها، إلا أن الكثير من الأسر بدأت تفكر فيه وتبحث عن القوانين التي يمكن أن تسمح به، كما أنه متاح للمغتربين في الدول الأجنبية التي يقيمون بها. أتمنى أن يكون هذا المقال بذرةً مفيدة لكل من يسعى للمزيد من المعرفة بشأن هذا الموضوع.

فما هو التعليم المنزلي؟

قد يبدو أن الإجابة عن هذا السؤال طويلة ومتشعبة، لكنها باختصار: التعليم خارج البيئة المؤسسية القائمة على نظام المدارس. وهنالك الكثير من الأساليب التي يتبعها الأهالي في تقديم التعليم المنزلي، ويمكننا أن نوجزها فيما يلي:

أولاً: التعليم المنزلي وفق منهج الدولة

وهذا الأسلوب متاح في عدد من الدول العربية، وتشترطه بعض الولايات والدول الأجنبية. ومبدؤه بسيط: تعليم الطفل وفق المنهج الدولة إلا أن هذا التعليم يتم في المنزل. قد تكون هنالك شروط بالتقييم أو الامتحان في مدرسة أو وزارة أو لا تكون. الفكرة هنا هي إتاحة المزيد من الوقت الحر لتعلم أشياء إضافية في المنزل، أو توفير الوقت للأنشطة العائلية والاجتماعية والسفر حسب وضع الأسرة. وتلجأ إلى هذا النوع من التعليم عادةً الأسر المغتربة التي تودّ أن يكمل أولادها تعليمهم الجامعي في دولهم الأصلية، أو الأسر التي يعاني طفلها من صعوبات في المدارس بسبب الإعاقة أو صعوبات التعلم أو التعرض المستمر للتنمر، أو الأسر التي تفضل التعليم في المنزل ببساطة حتى لو التزمت بمنهج الدولة في حال لم تسمح القوانين باختيار منهج آخر.

 

ثانياً: التعليم المنزلي وفق منهج

وفي هذا الأسلوب، يكون الأهل أحراراً في اختيار المناهج التي يدرسونها لأولادهم، سواءً كانت جزءاً من منهج الدولة وجزءاً آخر من منهجٍ منفصل، أو مناهج خارجية معدة مسبقاً لمختلف المواد، أو حتى منهجاً خاصاً يعده الأهل أنفسهم وفق احتياجات أبنائهم. ورغم أن هذا الأسلوب يبدو أكثر إثارة للحيرة، إلا أنه يمنح الحرية للأهل بشأن اختيار ما يناسب أولادهم، والسير في المنهج بشكل أسرع أو أبطأ حسب قدرة أبنائهم دون الاضطرار للتقيد بما يتطلبه المنهج الرسمي للدولة، كما أنه يوفر الحرية لتغيير المنهج أو تعديله إن لم يتوافق مع ميول أبنائهم أو وجدوه مملاً. وهذا الأسلوب هو المفضل عادةً لدى من يقومون بالتعليم المنزلي؛ إذ يوفر الحرية مع بعض التقنين في التعلم، ويفتح الباب أمام الطفل في التركيز بشكل أكبر على المواد والاهتمامات التي يفضلها في وقت مبكر، ويتيح للأهل اختيار الوسائل التعليمية المتوافقة مع المنهج الذي يختارونه وفق قدرات أطفالهم.

 

ثالثاً: التعليم المنزلي الحر (أو اللاتعليم!)

ويسمى بالإنجليزية Unschooling، وفيما يتضمن الأسلوبان السابقان شيئاً من المنهجية والتقنين، فإن هذا التعليم الحر يعني ببساطة ألا يتدخل الأهل مطلقاً في الوقت ولا المادة التي يختار الطفل أن يتعلمها! وهو أشبه بـ"تعليم يقوده الطفل"؛ فبمجرد أن يطلب معرفة المزيد حول أمرٍ ما، فإنهم يوفرون له المواد والموارد والمصادر المتعلقة به وساعدونه فيهما، فإن كان اهتمامه الحالي بالرياضيات، يمكن أن يقرأ كتباً ويحل تمارين كثيرة في الرياضيات طالما يرغب بذلك. وإن كان اهتمامه هو الأدب، فيمكنه أن يستعير من المكتبة العامة مثلاً مقدار ما يشاء من الروايات ويطلع عليها جميعاً، أو قد يكون مهتماً بنوع من الحيوانات أو النباتات فيركز اهتمامه على تعلم كل شيء عن ذلك الموضوع. وقبل أن ترفع حاجبيك استنكاراً وتقول: "ليس هذا تعليماً!" فإن هذا الأسلوب يرتكز على مبدأ مهم، وهو أن الطفل سيتعلم ما يرغب في تعلمه وسيكون ذلك التعليم راسخاً لديه لأنه يحبه. وقد يكون هذا الأسلوب ملائماً في بعض الحالات أكثر من غيرها، لكن نتائجه ليست الأفضل بشكل عام، مع أن الدراسات محدودة جداً على هذه الفئة من التعليم المنزلي.

 

من المؤكد أن هنالك الكثير من الأسئلة التي ستدور في الذهن حول هذا الموضوع، وهنالك الكثير من المواقع الإلكترونية والكتب والمدونات وقنوات اليوتيوب التي تتناول الموضوع من مختلف جوانبه والتي يمكن الاطلاع عليها لزيادة أفقك في هذا الميدان. في المقال القادم، سأتحدث عن أسبابنا الشخصية لاختيار التعليم المنزلي، والتي تحتوي في ثنياها إجاباتٍ عن بعض الأسئلة الشائعة الخاصة بالتعليم المنزلي.

حنان زين الدين
أتمت حنان الماجستير في علم النفس من الجامعة الأردنية عام 2005، حيث كان موضوع رسالتها التي أعدتها لنيل الماجستير يتناول التعلق لدى المراهقين وعلاقته بتقدير الضغوط النفيسة وتدبرها....المزيد