تنمية قدرات الطفل

أن تكون أبًا، أن تكوني أمَّاً

أيار 10 , 2018

بقلم: أمل الحارثي

لا شك أنه من أروع الأحداث التي قد تمرُّ بها في حياتك وأكثرها عمقًا أنْ تنجب طفلًا فترعاه ليكبر أمام عينيك، تعطيه الرعاية والحبَّ ليعطيك السعادة والفخر والبِر، علاقة من أروع العلاقات الإنسانية التي تقوم على أساس التضحية والعطاء اللامحدود، علاقة كرَّمها الله وبارك فيها.

إن جمال تجرِبة الإنجاب وروعتها لا تنفي عِظَم حجم المسؤولية المترتِّبة عليها، والمُقدم على هذه الخطوة يجب أن يعرف ثقلها ويُدرك جاهزيَّته لها أولًا، الجاهزية النفسية والمادية، والرغبة في العطاء، وصحة الزواج، ونبذ الأنانية، كلها أمور يجب أن يدركها كل من الزوج والزوجة قبل الإنجاب، وهو ما لا يحصل عند الكثير من المُقدمين على هذه الخطوة في عالَمنا للأسف.

الإنجاب أصبحَ كأشياء كثيرة يفرضها المجتمع ويقوم بها الفرد بلا وعيٍ منه، فقط ليُحقق ما يطلبه منه المحيط والعائلة ضمن كاتالوج مُوحد يضعُه لكل أفراده، ينعكس ذلك على التربية والعناية، فيهمل الأطفال في أكثر سنوات احتياجهم للاهتمام والرعاية.

لا يخلو يوم مِن خبر وفاة طفل بسبب الإهمال أو سوء الرعاية في شتى أقطار الوطن العربي، أخبارٌ مؤلمة خصوصًا عندما نعي أن الكثير من الأحداث لا تظهر على السطح إلا إن كانت نتائجها ظاهرة، كأن يتعرض الطفل للعنف الذي تظهر آثاره على الجسد، أما التعنيف النفسي أو المشاكل المصاحبة للإهمال فلا تظهر آثارها بوضوح لكنها تقتل النفس بشكل بطيء وتظهر الآثار المدمرة لها بعد سنوات، نحن في زمن كثر فيه ضحايا التعنيف النفسي الذي يقتل الأرواح ويحطمها، مما يهدد المجتمع ويفاقم من مشاكله.

الأُسرة هي لَبنة المجتمع التي تُبنى بها الأوطان وتزدهر، وما يحصل في الأُسر ليس شأنًا داخليًّا إنْ أضرَّ بالمجتمع ككل؛ لذلك فإن التوعية واجبة بكل الأساليب المتاحة، ويجب على الإعلام أنْ تكون له اليدُ العليا في إدارة الوعيِ؛ عن طريق بثِّ الرسائل التي تهدف إلى نشأة جيل سليم نفسيًّا يقود دفَّة المستقبل.

أنْ تكوني أُمًّا يعني أنْ تعتني بتفاصيل طفلك كلِّها، وإنْ حظيتِ بالمساعدة فإنه لا أحد يملك حدسك وإحساسك كأم، أنْ تكوني أمًّا يعني أنْ تستغني عن عاداتٍ وأسلوب حياة أحببتِه ولم يعُد مناسبًا للوضع الجديد، أنْ تكوني أمًّا يعني أنْ تتواجدي بروحك مع الطفل لا بجسدك فقط، كما يعني أن تهتمي بنفسك وترعيها وتستمري بتثقيف نفسِك أولًا من أجل نفسِك ومن أجل الطفل والعائلة التي تعتمد عليك.

أن تكون أَبًا، يعني أن تضحِّيَ بوقتك قبل مالِك لمُصاحبة طفلك ومشاركته لحظاته، أنْ تكون أبًا يعني أن تعيَ بأن واجبكَ كأبٍ وزوجٍ في أنْ تكون سندًا ومساعدًا لزوجِك لا عبئًا، كأبٍ واجبُكَ أن تنبذ أنانيتك وتفكر بمصلحة الجميع لا بذاتك فقط، أن تضيف بعض الكتب التي تساعدكَ على تثقيف نفسِك كأبٍ إلى مكتبتك بجانب كتب العمل والتطوير الذاتي.

أنْ تكون أَبًا وأن تكوني أُمًّا يعني أن ينظر كل منكما للآخر كشريك، وأن يراعي كل منكما نفسيَّة الآخر التي تأثرت بالمسؤولية الجديدة، وأن يحاول كل منكما احتواء الآخر وإن تعذر ذلك فإن طلب المساعدة مِن أخصائيِّ الأسرة أمرٌ إيجابيٌّ محمود، ولا ننسى أن ما نزرعه في أطفالنا اليوم من محبَّة ورعاية نحصده غدًا بِرًّا وحبًّا واهتمامًا عندما نكون بأمسِّ الحاجة لأبنائنا.