تنمية قدرات الطفل

أسباب اختيارنا للتعليم المنزلي: الأسرة والمجتمع والتحضير للمستقبل

أيار 10 , 2018

ذكرت في مقالي السابق أسباب اختيارنا للتعليم المنزلي من ناحية تطوير الشخصية وحرية التعلم، أما في هذا الجزء سأقوم بذكر الأسباب الأخرى التي تتعلق بالدين والأخلاقيات والعلاقات الشخصية والاجتماعية وغيرها التي دفعتنا أكثر للتعليم المنزلي لطفلتنا.

  1. الدين والأخلاقيات

شخصياً، نعم، الدين أمر مهم، لكنه ليس الأساس في اختياري للتعليم المنزلي؛ فلو كان في منطقتنا مدرسة إسلامية مثلاً فسأختار التعليم المنزلي عوضاً عن اختيار المدرسة؛ لكل الأسباب السابقة واللاحقة. كما أنني أريد من ابنتي أن تتقبل نفسها والأديان المختلفة حولها، وهذا يمكن أن يكون أصعب إذا كان من حولها يحملون أفكاراً وسلوكيات غير سوية تجاه الآخرين المختلفين عنهم، وقد تجد نفسها تجاريهم فيها ليتقبلها الآخرون. وهذا الأمر صعب جداً في سن صغيرة ويؤثر على الشخص بشكل كبير.

إلا أن هنالك نقطة مهمة تتعلق بالأخلاقيات أكثر من الدين نفسه، والتي يصعب تعلمها من الأقران مقارنةً بتعلمها من الأهل الذين تهمهم النشأة الأخلاقية وبيان الصواب من الخطأ، ومن القدرة على التصدي للخطأ وتوكيد الذات التي قد يصعب على الطفل القيام بها تحت ضغط الأقران، بل وفي مواجهة المعلمين إذا كانوا لا يتقبلون أن يقول لهم أحد إنهم أخطؤا، في المقابل، أنا منذ الآن أمدح ابنتي الصغيرة وأشكرها حين تنبهني إلى أي خطأ أقوم به.


في الغربة، يكون من الممتع إعداد أشياء تتعلق بثقافتنا وديننا معاً. أعددت هذا الديكور مع ابنتي في رمضان الماضي

هنالك نقطة أخرى تتعلق بالتعرّض المبكر للمواد الإباحية. في الواقع، لم أفكر في هذا الأمر كثيراً في السابق، لكن كما ذكرت أعلاه: عندما بدأنا نفكر في التعليم المنزلي بدأنا نفكر ننظر للأمور من حولنا بطريقة مختلفة. ومما وقعت عيناي عليه مؤخراً هو فقرة ضمن خبر في موقع "بي بي سي" العربية: "وكان تقرير للمنظمة [منظمة سلامة الإنترنت للأطفال] في عام 2016 قد قال إن المواقع الإباحية على الإنترنت قد تضر بنمو الطفل، وتؤثر في قدراته، وإن تلك المواقع يشاهدها 65 في المئة فيما بين سن 15 و16، و48 في المئة فيما بين سن 11-16." وللأسف، ومن ملاحظتي لردود فعل بعض الأهالي في دولنا العربية على مواقع التواصل الاجتماعي إذا عرض أحدهم مشكلة من هذا النوع، فإنهم أصبحوا يقولون: "وما المشكلة في ذلك؟ لا يجب على الأهل المبالغة! كل أبناء جيلهم يفعلون هذا." وكأن إقدام الجميع على أمرٍ خاطئ يجعله صحيحاً أو لا بأس به، وكأن المحرمات التي تؤثر فعلاً على نفسية الطفل وعقله أصبحت أمراً عادياً؛ رغم أن المعايير الدولية المتعلقة بحقوق الطفل والتعاليم الدينية المختلفة صارمة في هذه النقطة، وبدأت كثير من الدول باتخاذ تدابير إضافية لحماية الأطفال من التعرض المبكر للمواد الإباحية.

  1. العلاقات الأسرية

نعود لمميزات التعليم المنزلي؛ فعلاقات الأهل والأبناء من جهة، والأبناء ببعضهم من جهة أخرى، تكون قوية جداً في التعليم المنزلي نظراً للتواصل المستمر المتبادل، والقدرة على التعامل مع المشكلات معاً، والتفاهم بين أكثر من جيل في المنزل. هذا يختلف عن حصر البالغين في المدرسين الذين بالكاد يقدمون الدرس ويخرجون، وقد يتواصلون مع الطفل أو لا، والتفاعل المقتصر على الأقران من العمر نفسه، فيجد الطفل صعوبة في التفاهم مع الأكبر منه عمراً، ويشعر بالملل مع الأصغر منه كثيراً. كثيراً ما أسمع شكاوى حول هذه الأمور وأن بعض الأهالي يلجؤون مبكراً إلى إدخال أطفالهم للحضانات بسبب هذا الأمر بدل العمل على التعامل مع أبنائهم وتفهم احتياجاتهم، وعلى تقريب الأبناء من بعضهم بعضاً.


من الأنشطة الممتعة التي نقوم بها هي تجميع أشياء مختلفة ذات لون واحد من المنزل. تعدد طرق التعلم مفيد جداً للأطفال بإشراك حواسهم المختلفة.

في المقابل، وضمن قراءاتي في التعليم المنزلي والتربية، فحل هذه المشكلة أسهل بكثير من خلال التواصل المستمر وتعلّم الصبر -سواء للأهل أو الطفل!- بل إن الأطفال الأكبر سناً يتعلمون من الأصغر ويعلمونهم أيضاً، وهذا وحده يشعرهم بالإنجاز وبالتقارب والمودة مع إخوانهم. وبالنسبة لي -مرة أخرى- كأم، سيهمني بشكل أكبر أن أبحث وأقرأ وأعرف كيف أساعد أطفالي في حل مشكلاتهم وفي التعامل مع بعضهم بعضاً مقابل تجنب المشكلة بأن "لهم حياتهم في المدرسة"، بينما لن ينتبه المدرّسون لمثل هذه المشكلات في التواصل بين الأجيال أصلاً.

  1. مهارات الحياة والعمل

لا أنكر فضل المدارس علينا عندما كان العلم أقل محدودية وتوافراً، لكن مع تغير الزمن ومتطلباته، ومشاهدة نتائج المدارس، فيبدو لي الأمر الآن مبالغةً في دور المدارس وأهميتها. أذكر أنني في المدرسة كنت أدرس فقط، وأحياناً أركز على هواياتي في الإجازات فقط، والتي أصبحت حالياً محور تركيزي بعد أن أضعت سنواتٍ من عمري في دراسة أمور لا أهتم بها حقاً لتقديم الامتحانات. وفوق ذلك كله، فإن دور المدرسة من محدود في كثير من الأحيان بعدم تعليم المهارات المختلفة في الحياة عدا عن الجلوس "في مكانك" والسمع والطاعة للمدرسين وعدم الاعتراض حتى حين التعرض للظلم منهم أحياناً؛ وعدم رضا الأقران عنك واستخفافهم بمهاراتك وقدراتك أحياناً لأنك "لست مثلهم"، وما الذي تتعلمه من مهارات الحياة هنا؟ نعم: الإذعان والامتثال حتى لو لم تكن مرتاحاً، وعدم المبادرة لتعرضك للنقد إذا فعلت، وتقليل أدوارك في الحياة بدور أو اثنين، وصعوبة التعامل خارجهما.

لكي تتعلم مهارات الحياة عليك أن تعيشها حقاً: بالتعلم التلقائي، والبحث الذاتي -عما يهمك أنت، لا ما يهم المدرّس أو واضعي المنهج أو الحاذفين منه- وتطوير المهارات، والموازنة بين أدوارك المختلفة في الحياة، وتحمل المسؤولية مبكراً -والتي تشكل أساساً كبيراً للدافعية بأن تتحمل مسؤولية ما يهمك وما لديك-، والتقبل ممن حولك مهما كنت مختلفاً، والعمل مبكراً إذا كان العمل يناسب قدراتك مهما كان عمرك.


دودة الأرض: تثير فضول الصغار وربما بعض الكبار! وجدت كتيباً كاملاً حول استخدام دودة الأرض فقط كمثال لتعليم الكثير من مبادئ العلوم للأطفال!

  1. العلاقات الشخصية والاجتماعية

مع أن هذه النقطة هي أول نقطة تخطر ببال أي شخص أذكر أمامه التعليم المنزلي ويعدها من سلبياته، إلا أنها -في الحقيقة- من نقاط القوة الخاصة به! نعم، لا أنكر أنني تعرفت على عدد من صديقاتي العزيزات الغاليات في المدرسة، لكنني تعرفت على آخرين كثيرين في الدورات المختلفة، والزيارات، وعبر الإنترنت، بل وحتى في الشارع! المكان ليس هو أساس العلاقة، بل القدرة على تطويرها والحفاظ عليها.

ومن الدراسات التي قرأتها والتي أثارت اهتمامي أكثر من غيرها دراسةٌ قارنت بين أطفال من ذوي التعليم المنزلي بذوي التعليم المدرسي التقليدي، حيث راقبت مجوعات الأطفال يلعبون معاً أو يحلون لعبة تركيب (بازل). وكانت النتائج مذهلة: الأطفال الذين يداومون في المدارس أظهروا مشكلات سلوكية بمقدار 8 مرات أكثر من الأطفال الذين يتعلمون منزلياً، وكان أطفال المدراس عدوانيين، كما كان صوتهم عالياً، وشديدي التنافس، وعلى النقيض من ذلك، فقد تصرف الأطفال المتعلمون منزلياً بطريقة ودودة وإيجابية. ولاحظ الباحث أنهم كانوا يعرفون بأنفسهم، ويبادرون بالمحادثة، ويتعاونون مع الآخرين، ويدعون الأطفال الذين لا يشاركون في النشاط ليشاركوهم في اللعب، ويتبادلون الأدوار، ويخبرون الآخرين بأنه لا بأس إذا خسروا في اللعبة، بل إنهم تبادلوا عناوينهم وأرقام هواتفهم مع الآخرين ليتواصلوا معهم لاحقاً.


إعداد البسكويت معاً على شكل حروف أبجدية كان تجربة مميزة إذ تقوم ابنتي بتحريك المكونات والتعرف على أسمائها، واختيار الحروف، بل وأصبحنا نركب بعض الكلمات مؤخراً ثم نخبزها!

  1. الأمر يستحق

هذه النقطة شخصية جداً. لقد درست علم النفس لكي أتمكن من مساعدة الناس بشكل أفضل، وإن كنت ساعدت جميع الناس ولم أساعد ابنتي فيما بحثت ووجدت بأنه الأفضل، فما الذي استفدته؟ نعلم أن التعليم المنزلي لا يناسب الجميع، وإن كنا قد اخترناه فهذا لا يعني أننا نقلل من شأن من لم يختره، لكن طالما أننا نرى بأنه الأفضل ونجد أننا نستطيع فالسؤال هنا هو: لمَاذا لا نقوم به؟ وليس لماذا نقوم به؟!

أدرك أنني سأتعب وسيكون أمامي الكثير من المسؤولية، إلا أن الأمر يستحق، وستتعلم ابنتي -مثلما سأتعلم أنا- الكثير من الصبر والبحث والتواصل.

الصحة النفسية والانفعالية أمر مهم ويستحق أيضاً، والعمل عليها مبكراً يحتاج الكثير من الصبر والجهد، فهل من مدرسة تعلّم هذا؟

أنهي مقالي باقتباس أعجبني ويمثل رؤيتي في التعليم المنزلي، حتى أنني وضعته في إطار أمامي: "المنزل هو المكان الأول والأكثر فاعلية لتعلم دروس الحياة: الحقيقة والشرف والفضيلة والتحكم بالذات، وقيمة التعليم والعمل الصادق، والغرض من الحياة والامتياز بمحياها. لا شيء يمكن أن يأخذ مكان المنزل في تربية الأطفال وتعليمهم، ولا يمكن لأي نجاح آخر أن يعوض الفشل في المنزل." ديفيد ماك-كاي.

 

حنان زين الدين
أتمت حنان الماجستير في علم النفس من الجامعة الأردنية عام 2005، حيث كان موضوع رسالتها التي أعدتها لنيل الماجستير يتناول التعلق لدى المراهقين وعلاقته بتقدير الضغوط النفيسة وتدبرها....المزيد